المعرض
Exhibition

 

الدرويش (On Dervish)

إنستاليشن (عمل مر كب) من إبداع  جينفر ستاينكامب - المشاركة الرسمية للولايات المتحدة الأمريكية في بينالي القاهرة الدولي الحادي عشر 20 ديسمبر 2008 - 20 فبراير 2009.

“جينفرستاينكامب” فنانة رائدة في فن العمل المركب (الإنستاليشن) الذي يستغرق المشاهد بالحركة عن طريق الكمبيوتر، فهي تستخدم إسقاط هذه الصور لطرح اسئلة فلسفية عن الإدراك والسياسات والوجود. ويستعصي عمل “ستاينكامب” على التصنيفات القاطعة، إذ يمزج بين عدة مؤثرات ثقافية، وأما مصادرها الرئيسية فتتضّمن فن التحريك التجريبي، والأشكال الطليعية البنيوية في السينما، والفن الشعبي والمذهب النسوي ومذهب الحد الأدنى وحركة الضوء والفضاء في كاليفورنيا.*

وهكذا نرى أن فنون الاستغراق عند “ستاينكامب” التي تضرب بجذورها في تأمُّل الزمان والمكان، وتستجيب للبيئات المعمارية التي تحيط بعروض أعمالها، تؤدي إلى تحويل جذري في الخبرة الحسّية للمشاهد بالمكان وبإدراكه للواقع. وهكذا أيضًا، نرى على الجدران انفجارات كونية وُضِعت في أمكانها الدقيقة إلى جانب تجريدات متموّجة وأمواج متصاعدة ودوامات متحركة وأنسجة تراق مثل أنهار الزئبق، وزهور تتلألأ وتلمع وأشجار تتمايل في رياح مستحيلة. وكل صورة من صورها التي بثت فيها حركة الحياة مخلوقة من الصفر، وتستخدم التكنولوجيات الرقمية دون الرجوع إلى مصدر، وما تشيرإليه بعنوان “صور من الطبيعة المصطنعة” أعمال تؤدي إلى التركيب الحاذق الغريب وفي الوقت نفسه إلى التوفيق ما بين العلم والفن والثقافة الشعبية.

في عمل الدرويش (2004 – 2006) تتمايل الأشجار المرسومة رقميًا وتتأرجح على إيقاعات غير مسموعة و لامرئية تدفعها نحو شئ منشود مجهول، وهذه الأشجار الغريبة ذات الحركة الرشيقة تلتوي ببطء ثم بسرعة، وتمد فروعها في جميع الاتجاهات، وتتمدد، ورغم ذلك تظل محصورة في دائرة آلية متغيرة الإيقاع. و تربطهم بالأرض أنظمة جذور غير مرئية، بينما جذوها وفروعها وأوراقها تلعب أدورًا معبرة في رقصة منظمة. الأشجار يحييها فن التحريك بمعنى الكلمة، فهي خليط ينم عن موهبة فذة ما بين  الرسم والحركة فنراهم أشكالاً بشرية نسقط عليها تخيلاتنا أو مخاوفنا أو الاثنين معًا، فهذه الأشجار تشغل بالنا وهي مجهولة كالظلال والأشباح التي  فتئت تشعرنا بأن ما تراه عيننا ليس كل الحقيقة، بل اننا نرى أكثر من الحقيقة .

أما في عمل دراويش القاهرة (2008) والذي يعرض لأول في بينالي القاهرة الدولي الحادي عشر، تم تركيب ثلاثة صور جنبًا إلى جنب مع انستاليشن فيديو ذو ثلاث قنوات، وتطرح علينا الصور محاكًاة للأشجار المتدروشة وكأنما تعرض على الحائط في ساحة مدينة القاهرة. وتتناقض طبيعة الرسم السطحية المصطنعة مع معمار المدينة، فيافت أنظارنا إلى انقضاء الزمن عن طريق تصوير التفاعل ما بين القديم والمعاصر. وخلال عرض كل من الصور والانستاليشن يتاح للمشاهد رؤية أشجار “ستاينكامب” وهي تتحرك في ثلاثة أنواع من الأماكن، فأولاً وفي الأساس، الأشجار موجودة في المساحة التخيلية باعتبارها رسوم رقمية، فهي زهور صناعية في مساحة الشفرات الرقمية التي لا يمسسها بشر. أما ثانيًا، فعندما تنتقل هذه الأشجار إلى إنستاليشن الفيديو، تحتل مكانًا ثلاثي الأبعاد موجودًا في الزمن، فالمكان المادي يضفي على الأشجار إيحاءً مقلقاً بالحياة ـ فيتيح لهم امكانية شَغل الحجم الطبيعي المألوف لدينا، وفي نفس الوقت لديهم طابع آلي مخيف. أما ثالثًا، فعند فرض الرسوم على صورة فوتوغرافية لمكان حقيقي، تتواجد تلك الرسوم في المساحة المرئية لمونتاج الصور الرقمية. ويعتمد هذا المكان الأخير على ظروف يمليها الخيال، فهو غير مقيد بقيود الواقع ويزعم تغيير المكان الحقيقي. وفي الإنستاليشن الذي أعدته ستيانكامب من أجل بينالي القاهرة، يتضح لنا أن أشاكلها الرقمية تعبُر بسهولة البُعدَين الأول والثاني من خطوط وأسطح، والبعد الثالث وهو المكان، والبعد الرابع وهو الزمان .

يتميز عمل الدرويش بسمات عدة تميز معظم أعمال ستاينكامب، فأولاً، يشير العنوان إلى مدلولها الثقافي الموجود في هذا العمل، أما ثانيًا فهو يروج للسلام كمثل أعلى، وثالثًا نجد ان المقصود من دمج المكان الحقيقي مع التصوير التحريكي هو إطلاق تجربة جسدية مربكة وساحرة في نفس الوقت. فمثلاً، نرى أن العمل الذي يحمل عنوان جيمي كارتر (2002)، وهو الإسم الذي أطلقته عليه تكريمًا للرئيس الأمريكي السابق، يقصد به استدعاء تَرِكة السلام وقيم المساواة.

استخدمت ستاينكامب صورة الزهرة، وكثيرًا ما يستخدمها الناس كرمز للسلام، في صورة معروضة بالبروجكتور على الحائط، ذات طابع متلألئ يوحي بان الحوائط فقدت طابعها المادي. ومثال آخر في هذا عمل معضلة أينشتاين 2003 والذي يطرح اسألة منطقية حول ما يفعله العلم. فيشير العمل إلى الواقع التاريخي، حيث كان دور القوة العسكرية يقلق أينشتاين قلقًا شديدًا، وحذر العالم من المخاطر الكامنة في العلوم التطبيقية. فهذا الأنستاليشن  التحريكي ينتج عنه إنفجارات غير متوقعة تنذر بالسوء والتي يفجرها المارة أنفسهم، وبذلك تنادي بالمسئولية الشخصية. أما الدرويش فأبدعته الفنانة بعد زيارتها لإسطنبول حيث كانت تعرض أعمالها، وهناك احتكت بالدراويش وبتاريخيهم وموسيقاهم ورقصهم، وأخذ هذا العمل اسم طائفة من المتصوفين ناشدًا نشر احترام الشرق الأوسط والإعجاب بممارسته الثقافية والروحانية.**

أما سياق عملَيها الدرويش ودرويش القاهرة هو الاهتمام الأمريكي بالصوفية والذي يصحبه اهتمام عمومي بألوان التصوف والديانات غير المسيحية.  وازداد في الستينيات من القرن العشرين على امتاد سواحل كاليفورنيا، وانتشر في العقود التي تلت ذلك إلى سائر أرجاء أمريكا.*** كما تعرفت الجماهير الأمريكية على الموسيقى الصوفية من خلال ما دار في ثمانينيات القرن العشرين من انتشار للموسيقى والرقص من شتى أرجاء العالم واكتسابها شعبية كبيرة، فتعرف الأمريكيون على بعض الفنانين مثل نصرة فاتح علي خان وعبيدة برزيني. وكان لهذه المؤثرات من شتى أرجاء العالم تأثيرًا هامًا على الثقافة الأمريكية، حيث أدت إلى توسع فني في الساحة الإبداعية من خلال إدخالها مصادر جديدة للتذوق والتأثير، أما سياسيًا فأقامت حلقات الوصل بين الثقافات الأجنبية من خلال الفن، ومن خلال ذلك شجعت الناس على التفتح الذهني واحترام الأمور غير المألوفة .

ويعد كل من عملي درويش ودرويش القاهرة بمثابة تحية لطقس الدوران لدى الدراويش باعتباره عملاً يبعث على الإلهام والتفكير والسلام. ويوحي العملان بضرورة إيجاد البدائل للإدراك الغربي وللهيمنة الغربية، بل ينشدان ذلك. فعمل درويش القاهرة يقدم نفسه هدية غير ملموسة للمساحة العامة للمدينة، فهو ذو طابع غنائي، يقدم باقة من الأشجار لشوارع القاهرة. وعلى ما يحويه عمل درويش من جمال وغموض، يحوي كذلك مفارقة، ألا وهي أن طبيعة الشجر الأساسية تمنعها من اللف حتى في دائرة، ناهيك عن الدوران المستمر. وهكذا، تقتصر الأشجار على الحركة إلى الأمام والخلف فقط بدلاً من الدوران حول نفسها طوال الوقت، متطلّعة إلى المستحيل برشاقة غير محتملة. وأخيرًا تسيطر هذه الرشاقة على اللحظة، بحيث يتسنى للمتفرج استنتاج أن التناغم يمكن تحقيقه، من خلال مجموعة غنية ومتنوعة من الأساليب والأوضاع وأنظمة المعتقدات.

كمبرلي ماير قوميسيرة المشاركة الرسمية للولايات المتحدة الأمريكية في بينالي القاهرة الدولي الحادي عشر، وهى مديرة مركز “ماك” للفن والمعمار، فيللا “شندلر ، لوس انجلوس.

* لمزيد من المعلومات حول تطور”ستاينكامب” ومن أثروا عليها أنظر JoAnne Northrup, “Juniper,”(Jennifer Steinkamp, JoAnne Northrup, San Jose: San Jose Museum of Art and Prestel Verlag, München: 2006), p. 18-95

** هذا المقال مستقى من نص وأفكار مقال  “ألوان الواقع المقلد: أعمال الفنانة جينفرستاينكامب” من تأليف كمبرلي ميار ونيزان شاكد لكاتالوج المشاركة الرسمية للولايات المتحدة الأمريكية في بينالي القاهرة الدولي الحادي عشر، بعنوان “جينفر ستاينكامب” – إصدار مركز “ماك” للفن والمعمار، لوس انجلوس. للمزيد من التحليل المتعمق لأعمالها انظر ذلك المقال.

*** هذه الفقرة مستقاة من أفكار مقال  “ألوان الواقع المقلد: أعمال الفنانة جينفرستاينكامب” من تأليف كمبرلي ميار ونيزان شاكد.

**** أصبحت كتابات ابن الرومي من أكثر الكتابات مبيعًا، كما أشار إليها بالإعجاب بعض النجوم ذوي الشعبية الشديدة من أمثال مادونا.

One Response to “الدرويش (On Dervish)”

  1. منتدى Says:

    منتدى…

    محمد الماغوط، يكتب. ويكتب. ويحفر في ذاته، وفي لحم الواقع، وفي ص ور الزمن، بشراسة الشاعر الشفاف، وبرؤيا الكاتب المتمرد. إنه في دمشق، في منزل…